لقاء مع خالد الشوّاف على مشارف الثمانين طباعة
الأقسام الرئيسية - تاريخ آل الشواف

 

نبذة عنه

خالد بن عبدالعزيز بن أحمد بن عبد الرزاق بن محمد بن علي بن حسين بن أحمد بن مصطفى بن محمد بن أحمد الشواف الكبيسي (العراق).
ولد عام 1924 في بغداد.
خريج كلية الحقوق العراقية 1949.
عمل في المحاماة فترة قصيرة, ثم التحق بالوظائف الرسمية, فكان مشاوراً حقوقياً في مديرية الإعاشة العامة بوزارة المالية, ثم مديراً عاماً للثقافة في وزارة الثقافة والإعلام, ثم مشرفاً تربوياً اختصاصياً في وزارة التربية والتعليم. وأحيل إلى التقاعد 1979.
دواوينه الشعرية : من لهيب الكفاح 1958 ـ حداء وغناء 1963 , وعدد من المسرحيات الشعرية : شمسو 1952 ـ الأسوار 1956 ـ الزيتونة 1968 ـ قرة العين 1991 - الروم 1993 - الصوت الجهير 1996, ومجموعة شعر قصصي : في كل واد 1990.
كتبت عنه دراسات عديدة في الصحف والمجلات العربية والعراقية, كما ألفت عن شعره دراسة نال واضعها عنها درجة الماجستير, ووضعت عنه فصول في كتب أكاديمية لعدد من أساتذة الجامعات في العراق تناولت شعره المسرحي.
عنوانه : منزل 7/54 ـ حي القضاة والمحامين ـ الكرخ ـ بغداد.

 

لقاء مع خالد الشوّاف على مشارف الثمانين

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
الحوار المتمدن - العدد: 2784 -      2009 / 9 / 29
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

 

ما يزال أدبنا العراقي بحاجة إلى مسرح شعري .. وأستاذ يعلّم الجيل ، كيف ، ولماذا ينبغي أن نمسرح الشعر ، كما مسرحه أحمد شوقي ، في مسرحيات اشتهرت كـ ( مجنون ليلى ) ، و ( علي بك الكبير ) ، و ( كليوباترا ) ؟.. وكما مسرحه الإنكليزي شكسبير ، والفرنسي مولير ، والإسباني لوركا ، والألماني غوته ، والهندي طاغور .. فهذا المسرح الشعري في العراق ، لم يستطع أن يتقدم إلى الواجهة ، ومقاعده لا أرجل لها ، ومكبرات الصوت فيه تنهش لحم الجمهور .. ولا خطوة واحدة تصلح أن تكون إلى الإمام ، بل خطوتان إلى الخلف .
طرأ على فكري ذات مرّة أن يكون الشاعر خالد عبد العزيز الشواف ، هو هذا الأستاذ ، فهو الرائد المقتدر على أن يكتب دراسات مطوّلة في نظرية المسرحية الشعرية ، ويتصدّى لهذا الفن ، الذي أصبح تسفيهاً وسخرية ، وهو الممتنع على توظيف أشعاره ، كراقصات في المسرح الاستعراضي الهابط .
ذات صباح ربيع نيساني أخضر يتلبّس شقائق النعمان من سنة 2000، حملت إلى خالد الشواف ورداً ، وتمنيت له العمر الطويل ، وذهبت أقابله في منزله على غير موعد ، خالد ( من مواليد 1924 ) ، يومها لم تستطع الثمانين عاماً ان تكسر مقاومته للحياة ، أو تزعزع يقينه ، وكانت ذاكرته العربية بخير .. وعائلته الشعرية تتألف من اثنتي عشرة مسرحية ، منها : ( شمس 1952 ) ، ( الأسوار 1956) ، ( من لهيب الكفاح 1958) ، ( حداء وغناء 1963 ) ، ( ورقاء 1992) .. هي عصارة قلبه ، وخلاصة العمر الجميل كلّه .. ودواوينه وصلت إلى أربعة كانت حصيلة تجربته .. وتجربته ، نافورة خصب وعطاء .. نهر من النضارة الدائمة ، يتدفّق من الأزل إلى الأبد .
خالد الشواف ، بيئة شعرية تتوقف عندها كلّ الأزمنة ، وتقيم لها وزناً نقدياً ثقيلاً كلّ الأجيال الأدبية في العراق .. وأسرته أنجبت سلسلة من علماء ، وشعراء ، ومناضلين ، ظهرت تسميتها في كتب التأريخ والأنساب ، بصيغة ( بيت الشواف ) ، وعاش جزءاً من الزمان في البصرة ، حين عيّن أبوه قاضياً هناك 1939، وفي ثانوية البصرة كان خالد الضلع الثالث من مثلث أدبي ، يتصل ضلعاه الآخران ، ببدر شاكر السياب ومحيي الدين إسماعيل ، وهؤلاء الثلاثة شكّلوا حلقة أدبية في ثانوية البصرة ، كانت السبب الأول في نشر مواهبهم على الملأ ، وكان بعضهم إلى بعض ، محبّاً وظهيراً ، ثمّ تفرّقوا ، ولكلّ منهم اسمه ، وتوقيعه ، وشهرته .
حين التقينا ، لم تكن صحة خالد الشواف على ما يُرام .. لكنك تألف جداول الماء الصافية ، التي تترقرق على صفحة وجهه من اللحظة الأولى ، وتعجب بقدرته على إقامة التوازن بين جمره الداخلي ، وثلجه الخارجي .. وتحبّ هذا الصوت النديّ الرطب ، الذي يأتيك مجلجلاً .. لا ماتت نبرة التحدي فيه ، ولا حلّت محلّها نبرة الأسى والانكسار .
وحين جلسنا معاً ، خطر لي أن أسأله ببيت من الشعر لعمر أبي ريشة ، وهو يقول في إحدى قصائده : ( لمن تعصر الروح يا شاعر ... أما لضلال المنى آخر ؟! ) ، لكن الشواف بادرني بسؤاله : أنا ، يا صديق متعب ، فكيف ، أنت ؟، قلت له : أتقرأ ما يكتبون ، وإذا كنت تقرأه ، ألا تذكر خصائص الماء ، الذي قيل لنا : أنه بلا لون ، ولا طعم ، ولا رائحة .. أليست هذه خصائص هذا الهذر الذي نقرأ ؟!.
لملم الطاووس المتكبر جناحيه ، وانطوى على نفسه ، يتأمّل احتمال البحر الذي لا يأتي .. وأنا استوحيه واسأله ، وأنتظر منه ، بعد ثمانين عاماً من الشعر والألم ، أن ينفعل ، لكنه لم ينفعل ، وأن يغضب ، لكنه لم يغضب ، وأن يصرخ ، لكنه لم يصرخ ، وجدت العراق يتشكّل في قصائده ، كما تتشكّل اللؤلؤة داخل المحارة .. وعلى ضفاف حنجرته ، كما يتشكّل العشب على ضفاف نهر كبير .
كان هادئاً ، وعميقاً ، ومتوازناً .. طلبت منه في تلك اللحظة ، أن يعيد إلينا قناديل الحب ، ونار الكتابة ، واستمعت إليه ، وهو يحدّثني عن لمحات عابرة من بداياته .. وكانت كلماته تتساقط ، مثل المطر ، على أرض شقّقها العطش ، وهو يقول لي : أذكر أن فرقة يوسف وهبي المسرحية قدمت إلى بغداد ، تعرض عدداً من مسرحياتها ، وكنت ، آنئذٍ ، في الثامنة من عمري ، فطلبت من بعض أقربائي أن يتيحوا لي فرصة أن أرى عرضا من عروضها ، وأذكر أني شاهدت مسرحية ( أولاد الفقراء ) ، على مسرح ( سينما رويال ) ، وكان يوماً من عمري .
أضاف لي : كتبت الشعر سنة 1938 ، ونشرت أولى قصائدي سنة 1940 ، حتى إذا بلغت العشرين من عمري ، وجدت نفسي أفكّر في كتابة مسرحية شعرية ، وخطرت عليّ الخواطر ، ورأيت أن تكون هذه المسرحية في إطار تأريخي يمثّل فترة من فترات تأريخ العراق القديم .. ذاك أني كنت مولعاً بمطالعة الكتب التأريخية ، واستقرّ في فكري أن اكتب مسرحية شعرية ، موضوعة الأحداث والشخوص ، أي ليست واقعية تأريخية ، وفي جو درامي مقتبس من إحدى فترات التأريخ البابلي ، وهكذا وجدتني ، والكلام ما يزال لمحدّثي ، شرع في كتابة تلك المسرحية الشعرية ، التي سمّيتها ( شمس ) ، ثمّ أكملتها في غضون عامين ، وكنت ، يومئذٍ ، طالباً في كلية الحقوق .
شدّني إلى خالد الشواف ، هذا المتحرّك كالنحلة المجتهدة ، قوله : إن كلمة ( شاعر ) في اللغة العربية هي من أجمل الكلمات .. فهي تربطه بنهر لا ضفاف له ، إسمه ( الشعور ) ، أي تربطه بألوف الاحتمالات .. وتعطيه ألوف الخيارات .. إنه يرفرف بأجنحته مثل طائر خرافي ، ثمّ يختفي فجأة .. وطوال اللقاء ، كان الشعر يهجم علينا كغمامة ، أو كمكتوب غرام قادم من كوكب آخر .. يهجم مثل تفاصيل حبّ قديم .
تركت الأستاذ الشاعر خالد الشوّاف ، يواجه الليل ، والريح ، والحظ .. وخرجت من عنده ، أسأل نفسي ، والآخرين : لماذا لا يرفع الجيل المسرحي في العراق صورة للشواف في كلّ مكان ؟!.

 

المصدر : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=186215